| ► | أيار 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

الديك يبني ارشيفاته الثقافية
قصة بقلم : نبيل عودة
لم يكن الديك يثق بأحد من حوله ، ولا حتى بأكثر الدجاجات تمسحا بجناحيه وتوددا امام مجلسه وخضوعا لرغباته ونزواته . كانت شكوكه عظيمة بأن مؤامرة تجري لاستبداله ، وقد أقلقه التفكير بالمؤامرة ، ومشكلة عدم وضوح أبعاد هذه المؤامرة ، او اتضاح بعض تفاصيلها وغياب تفاصيل أخرى . وكان أشد ما يخافه من المؤامرة تحويله الى وجبة يلتهمها رواد المطاعم . وقد يكون التذلل والتودد من حوله خداعا مخططا من قوى تتحين الفرصة لاسقاطه وغزو مملكته التي تكاثر دجاجها في السنة الأخيرة بمعدلات فاقت التوقعات ، مما رفع قيمة خمه في البورصة الدجاجية .. ورغم ذلك .. السياسة مليئة بالمطبات الخطيرة .. والمفاجئات غير المتوقعة ، ولا تحكمها الأخلاق .. وتغيب عنها القيم . السياسة أضحت تجارة بيع وشراء ، مطبات ومؤامرات ، يضحكون بوجهك لإلهاءك عما يطبخون ، وديك بمثل مقامه ، مثقف ، شاعر ، مفكر ، فيلسوف ، قائد عسكري ، رجل دولة ، وراعي شؤون الخم وفحله ، تتكاثر حوله المؤامرات والأطماع والدسائس الداخلية والخارجية .. طمعا بانتاجه الدجاجي ، الذي يوازي اليوم الانتاج النفطي في أهميته الاستراتيجية ، والرغبة في التهامه واكتساب صفاته الفكرية والفحلية عبر وجبة شهية تتعاظم ، وتُشغل السياسة الدولية …
كان أمنه الشخصي يقلقه أكثر من أمن مملكته . لأن نفوقه هو نهاية للتاريخ ونفوق لملك لا يظهر مثله في التاريخ الا كل قرن كامل ، أو عدة قرون . وكان الديك يحب ان يؤكد ، حتى لا يلتبس المعنى على قليلي العقل ، انه يقصد بالقرن مائة سنة وليس تلك الموزة الصلبة التي تنمو في أعلى رأس وحيد القرن.
من سيصدح صوته صباحا مجلجلا بشعر ثوري تعادل قوة القصيدة فيه ما يتجاوز حتى قوة الصواريخ البلاستية عابرة القارات ..؟ من قادر مثله ان يُخضع أكثر الدجاجات استعلاءا وتمخترا بجمالهن لأوامره ورغباته ؟ من يروي شبق هذا الجيش الدجاجي قليل العقل والدين .. ؟
المسؤوليات جسام . وهو خلق لتحمل هذه المسؤوليات الأرضية ، وايجاد الحلول لمسائل الأمن الحارقة في جمهوريتة الدجاجية ، الأفلاطونية بتنظيمها .
حقا ، هل تتصورون ما قيمة المملكة اذا نفق ديكها ، والى ما يمكن أن تؤول الية التطورات من اشكاليات تنظيمية وانتاجية ؟ .. وتأثير ذلك السلبي على استقرار الاقتصاد العالمي ؟ وهل ستصمد البورصات امام أزمة غير متوقعة مثل نفوق الديك ؟!
مضطرا ، قام الديك بخطوات أمنية حاسمة مستعينا بخبرة ديوك الجيران الأشقاء .. فعين بعض الدجاجات ليعملن كعيون في مملكتة ، أسوة بممالك الأشقاء السابقين له في الخبرة .. وأطلق على هذه المجموعة أسم ” ثقافة الأمر بالحسنى “.. ولكن هذا الأمر حسب ارشادات ديك ام كميل يبقى ناقصا ويحتمل نسبة خطأ كبيرة . والحل تعيين عيون من دجاجات أخرى ليعملن كعيون على العيون من المجموعة الأولى . وسمى المجموعة الثانية ” هيئة النهوض بشؤون الشعر الفصيح ” ليعطي انطباعا ان خمه يعنى بشؤون الثقافة والتربية والتعليم ، كيف لا ورجل الدولة الأبرز في الخم ، هو الديك الفصيح … رغم ان نسبة الأمية تكاد تكون مطلقة.. لكن المعطيات التي توزع على الاعلام تصاغ في ادارة الخم حسب رغبات الديك ، وهذا لا يعتبر تزويرا انما تيمنا بما سيكون عليه المستقبل .
ولكن يبدو ان هذا الهرم الأمني يبقى ناقصا في فاعليته، كما أشار الأشقاء في آخر مؤتمر قمة جمعهم في خم أبي العلاء . حيث أكد الأشقاء على ضرورة اقامة مكتب أمني سري لا يعلم به الا الديك نفسه ويسمى ب ” أرشيف الديك الثقافي ” ، تكون مهمته مراقبة المقربين والمتحذلقين حوله . ومكتب آخر صلته غير مؤكدة بأعمال الأمن .. سمي ” مكتب الاستثمارات ” يتخذ شكلا دوليا للمشاريع العمرانية مما يسهل تجنيد الدعم الخارجي ، ولكنه عمليا ينفذ سياسة أمنية مشددة جدا ، ويمول سائر أجهزة الأمن ، وليذهب العمران الى الجحيم بعد أمن الديك وسلامته .. ويقول بعض العالمين بلغة الديوك وتصرفاتها انه أقيمت مع الوقت فئة عيون أخرى لم ينشر اسم رسمي لها مما جعل الهيئات المشتغلة بالأمن الشخصي للديك تزداد الى أربعة تنظيمات أو خمسة ، والعلم بالعدد الحقيقي ،عند الله جل جلاله .. ولكن تسربت معلومات ذكرتها ” الجزيرة “ دون أن تفضح مصادرها ، ان الديك أنشأ هيئة هي ” المكتبة القومية” حيت يحتفظ بملف عن كل طير دجاج داخل خمه ، منذ خرج من قشرة البيضة وحتى لحظته الأخيرة داخل الخم .
وباتت مملكة الديك مكتظة بالعيون المختلفة ، ثلاثة منها( وربما أربع ؟) معروفة بأسمائها، وواحدة سرية ( وربما اثنتان؟ ) قائمة بالتأكيد . وآخرى سرية معروف وجودها ومجهول اختصاصها ، وغير ملموس نشاطها في مجال العمران اطلاقا رغم اسمها ، ورغم تدفق الأموال النفطية اليها…. ووصل عدد العيون على العيون على العيون الى نصف سكان الخم والبعض يقول ربما أكثر اذا علمنا عدد المشتغلين بالأجهزة السرية من مختلف الهيئات .. واذا أنزلنا من حسابنا الفراخ الصغيرة التي لتوها قد خرجت من قشرة البيضة ، يكون قد عين عينا لكل دجاجتين أو ثلاث وعليهن عين أخرى تراقبهن وتراقب كل همسة او حركة غير واردة في الحركات المسموح بها للدجاجات ، بما في ذلك تسجيل عدد المرات الت
الحياة السياسية الحزبية العربية في اسرائيل - ما الجديد على الساحة؟
بقلم :نبيل عودة *
*الخطاب السياسي للأحزاب العربية معزول عن الهموم اليومية للجماهير * انتخاب حنين زعبي انجاز تاريخي للتجمع * رفع شأن المرأة ، يعطي دفعة قوية للتغيير *
حين أنظر الى واقعنا، كمواطنين عرب فلسطينيين في اسرائيل، وطروحاتنا السياسية، واسلوب تعاملنا مع هذا الواقع، الذي لم يعد يحتاج الى براهين حول ما نواجهه من سياسات سلطوية تمييزية، اصاب بالحيرة .. اصاب بصعوبة في استيعاب منهج التفكير الذي يوجه أحزابنا وقياداتنا البرلمانية والحزبية والبلدية ومختلف اللجان والمؤسسات والهيئات.
لا أتهمهم بالقصور في طرح مشاكلنا. العكس هو الصحيح . يملأون اعلامنا المحلي والاسرائيلي عامة، والفضائيات العربية دائما، بطروحات صحيحة حول واقعنا ومطالبنا. ولكن، هل ينتبهون لفحوى خطابهم السياسي، واهمية تجنيد اوساط يهودية عقلانية ودمقراطية الى جانب مطالبنا، بدل ان ندفع أوساطا متزايدة لأحضان ليبرمان الفاشي وأشكاله؟
السؤال الذي يطرح نفسه تفرضه الظروف غير العادية التي نواجهها اليوم بعد ما اتفق على تسميتها بحرب غزة. أين نقع جغرافيا من الناحية السياسية؟
التصريحات التب رافقت حرب غزة وما تلاها، والتي ملأت اعلامنا، ربما جلبت فائدة للأحزاب العربية (هل يشمل الحزب الشيوعي نفسه ضمن الأحزاب العربية؟ يبدو ان الجواب ايجابي. لو وصف الحزب الشيوعي والجبهة بقائمة عربية في فترة القيادة التاريخية للحركة الشيوعية، والتي أقيمت الجبهة بفترتها ، لقامت ضجة كبيرة لتصحيح التسمية، ورفض وصم الحزب والجبهة بصبغة قومية منفردة، والإصرار على الصيغة الأممية كحزب وجبهة يهودية عربية، عربية يهودية. يبدو ان هذه التسمية لم تعد قائمة الا شكليا ، وترعب الطامحين داخل هذا التنظيم، في الوصول الى البرلمان).
أجل تقلص التصويت العربي للأحزاب اليهودية .. وأرى بذلك علامة ايجابية. وللأسف ان واقع التصويت في اوساط ابناء الطائفة المعروفية ما زال يراوح مكانه، التقديرات ان الأكثرية المطلقة من الأصوات تذهب للأحزاب الصهيونية (85% حسب الصحف العبرية) ولا بد من الانتباه لهذه الحالة غير المقبولة.
الأحزاب العربية أعلنت انتصارها.. لا أعرف ما هي معايير الانتصار. لو أكتفوا بتعبير النجاح، لكانوا أكثر واقعيين. الانتصار يعني تغيير جذري لواقع قائم. ما الذي تغير في واقع جماهيرنا العربية؟ ازددنا عضو كنيست؟ هذا هو الانتصار؟ هل صار صوتنا مؤثرا أكثر في الكنيست؟ هل هزمنا سياسة الاضطهاد القومي؟ هل انجزنا المساواة الكاملة..؟ هل بدأت تتحول بلداتنا من فنادق مبات للعمال الى بلدات انتاجية يقصدها العمال من مختلف المناطق للعمل والارتزاق؟ هل أنجزنا اقامة جامعة عربية في اسرائيل، تفتح الأبواب امام الاف الطلاب العرب وغير العرب للدراسة الأكاديمية واجراء الابحاث متعددة الأهداف وتطوير مجتمعنا وبنيتنا التحتية العلمية والاقتصادية؟
هل فرضنا على السلطة في اسرائيل الإقرار بالحقوق القومية لشعبنا الفلسطيني، باقامة دولته المستقلة، على اساس حدود الرابع من حزيران 1967 ؟ هل قلصنا البطالة والفقر الى المستوى القطري على الأقل؟ هل ازدادت حصتنا من الميزانيات العامة؟ هل أحدثنا نقلة في رفع مستوى التعليم في مدارسنا؟ وهناك مئات من القضايا الحارقة والمهملة.
أولا، قبل التوسع بالموضوع، لا بد من اشارة هامة جدا، وهو وصول أول امراة عربية عن طريق حزب عربي الى البرلمان في اسرائيل. هذا الانجاز الذي حققه حزب التجمع الوطني يستحق التقدير الكبير، وستكون نتائجه كما آمل، بالغة الأهمية على اعادة برمجة تفكيرنا الاجتماعي من قضايا المرأة والمساواة في الحقوق المدنية والاجتماعية للنساء العربيات، واحداث دفعة هائلة في مكانة المرأة العربية.
حقا ميرتس سبقتنا في ادخال امرأة عربية، ثم تبعها حزب العمل. ولكن الفرق الجوهري اليوم، هو وصول امرأة عربية متحررة من سياسات التبعية لأحزاب يهودية، ما كان يشغلها بعيد عن حقوق المرأة العربية. رغم اني أرى بايجابية كاملة ما قامت به عضوا الكنيست العربيتان السابقتان. ولكني لم ألمس ان موضوع المرأة شكل علمهما السياسي والاجتماعي، وهذا ما نتوخاه اليوم ..
المحزن ان الحزب الشيوعي الذي تميز برفع الشعارات التاريخية المبدأية الصحيحة حول المرأة، يتخلف في هذا المجال.. ودائما يرشح المرأة في أول مكان غير مضمون. ويؤسفني انه لم ير الأهمية الفكرية والسياسية والاجتماعية لايصال امرأة الى الكنيست .. وبذلك يناقض فكره، ويفوته ليس فقط قطار الأولوية، وهي موضوعة بالغة الأهمية على مستقبل التنظيم … سيكون لها انعكاسات على الواقع السياسي والحزبي العربي في اسرائيل، اذا أحسنت عضو الكنيست العربية حنين زعبي في جعل قضايا المرأة العربية تحتل جوهر نشاطها البرلماني، وأعتقد ان نشاطها في اطار جمعية اعلام، كان نشاطا مثمرا وتجربة تطبيقية سياسية هامة، أكسبتها آليات وخبرات ضرورية لنقل دورها الى قضايا حارقة، مهملة نسبيا، قضية المرأة في اسرائيل عامة، والمرأة العربية على وجه الخصوص. وقد حان الوقت لجعل هذا الموضوع، رأس حربة في نضالنا الاجتماعي والسياسي أيضا.
يجب عدم الاستهتار بهذا الانجاز السياسي. أقول ذلك رغم المساحة الواسعة التي تبعدني سياسيا عن حزب التجمع. ولكني لن أتردد في منح صوتي لهم في انت
قصة …
يوم في حياة ديك ..*
بقلم : نبيل عودة
مع تسلل أولى خيوط الفجر .. انطق صياح الديك ، كعادته منذ صار شاعر القوم ، معلنا بدء يوم جديد .
كان للديك ، مثل كل مثقف وشاعر كبير ، فلسفته الحياتية الخاصة .وهي تتشكل من منظومة من التصورات والأفكارالأدبية والدينية ، يحاول بها ان يخضع جماهيره البياضة الى نشوة الفجر الجديد ليبدأ الجميع نهارهم بنشاط وهمة . وكان يصاب بالغضب الشديد حين تتماطل بعض الدجاجات فوق بيضاتهن ، ويرى بذلك خضوعا لألاعيب الجن واغراءاته ، فيزداد صراخه حدة مهددا بلغة شعرية موزونة واضحة ، انه لن يقرب الدجاجات المتكاسلة عقابا على تماطلهن ..ولن يسمح لديوك الجيران بالأقتراب من مملكته الدجاجية ، أولا صونا للعرض ، وثانيا منعا للإختلاط غير المشروع .وثالثا حفاظا عى حقوقه غير القابلة للنقض والنقل.
كانت تشغل الديك مسألة فلسفية كبرى : وماذا بعد .. هل من تطور الى مرحلة جديدة أرقى من ملك متوج على خم دجاج ؟
وكثيرا ما يغرق في البحث بمعلوماته المعرفية . ولكنها معلومات لا تتعدى بعض النزوات مع دجاجات الجيران .. حقأ أمدته بشعور من التعالي على ما عداه من جنس الطيور . ولكنه شاهد مرة أوزة في حديقة الجيران ، حاول الوصول اليها فهاجمتة بمنقار حاد ولم يكرر المحاولة . كان دائما يفكر ، ماذا لو صار ديك أوز ؟ يملك من القوة والقدرة ان يملأ فراغ خم دجاجات الجارة الفارغ من الديوك ، بعد ان نفق ديكها الشرس ، الذي كان له معه جولات من المناوشات الدموية ، وقد هجاه بقصيدة عصماء ما زال يسمعها للديوك الصغيرة حتى لا تتوهم انها أصبحت كواسرا متوجة على عشيرة من قليلات العقل ؟ وان تظل مهما ارتفعت قيمتها ، ذليلة امام عرشه .
كان الديك ، بمفهوم ما فيلسوفا … ولو استطاع صاحب الخم ان يحول صياحه الى كلمات ، لتسجل في كتاب جينيس كأول فيلسوف بين الأصناف غير البشرية ، ولنقلت الجزيرة أحاديثه وقصائده وحكايات عن تجاربه الفكرية ، وخاصة جملته الشهيرة بعد ان اعلن مقاطعة ساحة الجيران حيت تعيش الأوزة الشرسة مع صغارها ، اذ قال : ماذا تظن هذه الأوزة نفسها ، انها مجرد قليلة عقل مثل كل اناث الطيور ، وان شراستها تتحول حين يحضر ديك أوز الى استسلام مشين . انها تمارس البغاء بنت الكلب مع كل ديك أوز غريب تلتقي به ، عكس دجاجاته ، القنوعات الملتزمات بديكهن .
كان الديك يغضب عندما يحضر تجار من السوق يتمايزون دجاجاته ، ويجسون بطونها وأفخاذها ، وقد حاول تنظيم مقاومة دجاجية ، بأن تبدأ الدجاجات بعفر التراب فور اطلال وجه غريب صونا للعرض من هذا التعدي الفاحش . ولكن ال
جوهر حرية الرأي .. ومشاكل أخرى
في طريق الثقافة العربية !!
بقلم : نبيل عودة
أسئلة بديهية ، ولكنها تبدو أشبه بالمسائل الفلسفية الكبرى في الثقافة العربية. هل تطورت في مجتمعاتنا العربية ثقافة الحوار أم تسيطر ثقافة اللاحوار ؟
هل نحن مجتمع مدني ، ام ان المدنية أضحت من البدع اتي يجب قمعها؟
هل هناك من فكرة مقدسة لا يمكن نقدها او التطرق البحثي لمضامينها ؟
ما هو الفرق ما بين الحرية في التفكير وبين التحرر من التفكير ؟ وهل يمكن القول ان رفض الحوار هو حالة من حالات الحرية أيضا ؟
وما الفرق بين الرأي والقدح والذم ؟
هل تحتاج الحرية الى فكر ونظام .. أم هي فوضى عارمة - تحررية ؟
اذن لماذا نكتب ؟ ولمن نكتب .. اذا كان كل موقف يعبر عنه أصحاب الرأي ولا يكون متوقعا من القارئ يجر على كاتبه الويلات والشتائم السوقية والتهديد بالذبح أحيانا ؟
كثيرا ما يدور الهجوم حول مواضيع لم يُضمنها الكاتب قي مقاله ، وتطرح بشكل لا يتفق مع فكر الكاتب .. ومع ذلك تُلصق به عنوة . ترى هل المشكلة في فهم المقروء ، ام هي وجهة نظر مسبقة معادية بغض النظر عما جاء في النص ، خاصة وأن أبرز العدائيين حدة ، يختبؤون وراء صفات ثقافية وأكاديمية ؟
كيف نتجاوز مشكلة فهم المقروء .. التي يبدو انها الآفة المستعصية التي تقف حائلا بين أصحاب الرأي وامتداد تأثيرهم على مجتمعاتهم .
اليس تضائل دور المثقفين في المجتمعات العربية ، هو من ضمن تهافت شرعية الحوار وفهم المقروء .. وتعوق ظهور المجتمعات المدنية العربية ؟
ما هو تأثير الجمود اللغوي للغتنا العربية والنظرة الدينية الشمولية على مستوى ثقافة الحوار ؟ وما تأثير مستوى التطور الإقتصادي ومستوى تطور أنظمة الحكم والمساحة الدمقراطية وحالة الحريات العامة وتطور التعليم والعلوم والابحاث العلمية على الثقافة عامة ، وعلى أخلاقيات الحوار خاصة ؟
أسئلة كثيرة ومشروعة يواجهها المثقفون والمبدعون العرب ، في مجتمعاتهم شبه المنغلقة عن حركة الفكر الانساني ، وعن التنوير والرقي الحضاري ، الذي صار مقياسا ليس لمستوى العقل فقط ، انما لمستوى حياة الانسان الاجتماعية بكل التفاصيل المتعارف عليها في المجتمعات البشرية .
بالطبع المواضيع المطروحة أكثر اتساعا من أن يشملها مقال واحد … وساتناول بعض الجوانب التي أراها اساسية في أزمة ثقافة الحوار في مجتمعاتنا .
وهي أشبه بحالة فلسفية تعبر عنها هذه الحكاية .
مراقب في قارب حربي شاهد في أحدى الليالي ضوءا قويا أمامة مباشرة. أخبر القبطان الذي قال : أشر له باننا ننصحه ان ينحرف عن مسار قاربنا فورا بعشرين درجة.
نفذ المراقب الأمر. ولكن جاء الجواب باشارة تقول أنصحكم أنتم ان تنحرفوا بعشرين درجة.
غضب القبطان ، وقال للمراقب ارسل له اشارة باني قبطان قارب حربي وانا في مسار تصادم معك ، وليغير اتجاهه فورا بعشرين درجة. ووصل الجواب: انا بحري بسيط وانا اناشدك ان تغير مسارك بعشرين درجة فورا. غلى الدم في عروق القبطان : ارسل لهذا الصعلوك اني قارب حربي وسوف أصدمه وأقضي علية او لينحرف فورا بعشرين درجة. وجاء الجواب : انا يا سيدي المنارة .. اذا واصلت ستتحطم انت وقاربك على صخور الشاطئ أمامي .
لو تأنى الغاضبين والزاعقين بدون تفكير .. لعرفوا نسبية الحقيقة.. ولفهموا الواقع ولقرأوا المضمون بشكل صحيح !!
المجتمع لخدمة الانسان ام الانسان لخدمة المجتمع ؟
الفيلسوف كارل بوبر ( Karl Popper ) عرف المجتمع المنفتح ( كتابه المجتمع المنفتح واعداؤه ) بمدى وضع الفرد في مركز النشاط الاجتماعي . وقال : ان المجتمعات المنفتحة ترعى الفرد وتضمن له الشروط الملائمة لتطوره، اما المجتمعات المنغلقة ، فهي تضع المجتمع في المقدمة على حساب تكون هوية الفرد المستقلة وتطورها . وقال : هذه المجتمعات المنغلقة تميل الى الانعزال الحضاري ، وحتى الموسيقى التي تخلقها هي انعكاس لهذا الانعزال . ومن المؤسف ان كل مجتمعاتنا منغلقة بقسوة ( مثل قبطان القارب الحربي لا يرون الا ما لصق بدماغهم ) ، ولا يحظى المواطن العربي بالشروط الملائمة لتطوره .. اسوة بما يجري في المجتمعات الغربية.
نجد مثلا ، ان المجتمع الاوروبي منذ عصر النهضة ، رفع من مكانة الانسان على حساب الفكرة المطلقة – المقدسة .. خاصة في مجالات الآداب والفنون وفيما بعد الموسيقى ، مما أحدث تحولا ثوريا حطم كل المسلمات القديمة التي باتت تتناقض مع النهضة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية ورقي الانسان، وجعل من العقلانية مقياسا أعلى للفكر ، بينما المجتمعات المنغلقة لم تعتبر الانسان أكثر من كونه أداة لخدمة الفكرة المطلقة الغيبية . وهذه الفكرة تتجلى بأشكال متعددة في المجتمعات البشرية ، والتاريخ سجل العديد من هذه الأشكال ، بدءا من عبادة الفرد في الأنظمة الديكتاتوية والفاشية، وصولا الى الطاعة العمياء في الأنظمة الدينية .
وكانت ثورة العلوم وتطور الفلسفة قد أرسيا جذورا هامة للفكر العلمي والبحثي … وكما يقول أبو حيان التوحيدي: من الإضطرار يكون الاختيار ، وليس من الاختيار يكون الاضطرار ، لأن الاضطرار من سنخ العالم وسوسه .
ويقول هيغل : ان الحرية هي وعي الضرورة . اما الماركسية فرؤيتها ان: وعي الضرورة هو شرط هام للوصول الى الحرية . انا شخصيا لا أرى تناقضا جذريا بين هيغل وماركس في هذا الطرح . اذ ان الطرح هنا يشبه السؤال الفلسفي البسيط من كان في البداية الدجاجة أم البيضة؟ وفي التالي ، التواصل يصبح فعالا ومؤثرا ومترابطا بكلا الاتجاهين. وهذا هو الأساسي..!!
ما علاقة ذلك بالحوار ؟
وهل يحتاج الانسان الفقير المحروم من الحرية والخدمات الاجتماعية والتعليم والرقي الحضاري الى حوار؟
الحرية هي نشاط ينبع من وعي الانسان وايمانه بهدف. النشاط يثمر ، والخمول والاستكانة تجفف الارادة ، وتضيق الرؤية . عندما يتوهم الانسان انه يعرف الأجوبة الكاملة وغير القابلة للنقاش ،عن القضايا الصميمية للنشوء والإرتقاء ، يفقد القدرة والارادة عن احداث تغيير في مجتمعه ، وتصبح كل معلوماته تدور في حلقة مغلقة من الطروحات التي لا تحتاج الى تفكير ، ونقد وأسئلة شك ، وكل ما تبقى له ، اتخاذها مسارا لحياته . وهذه الظاهرة تكاد تكون السائدة في المجتمعات الفقيرة وغير المتطورة . وللأسف نجد ان الدين يستغل من عناصر منتفعة للإبقاء على خضوع واسع لجماهير المؤمنين ، ولا أعني دينا معينا ، انما هي ظاهرة عامة تشمل كل الديانات. هناك مجتمعات فصلت بين السياسة والدين ، وبين العلم والدين .. فانطلقت .. وهناك مجتمعات لم تزل تبحث عن الاعجازات العلمية التي تجاوزها العلم الى مرحلة ما بعد العلم ..
السؤال: هل يعي المتحاور نسبية الوعي ( وعيه أيضا ) ؟ وهل يعي الانسان انه لا يملك لوحده كل المعرفة ؟ وان الوصول لمزيد من المعرفة يحتاج الى منهج علمي وقدرة على التحليل والمقارنة والاستنباط ؟ وأن الآخرين ليسوا أقل شأنا منه ؟ وأن ادعاء المعرفة الكاملة ، هي حالة مرضية أو تعبير عن البدائية ، وليست ذكاء ؟؟
تقول حكمة لا أذكر قائلها: لو ان الناس لم يتحدثوا الا فيما يفهمونه ، لبلغ السكوت حدا لا يطاق. لذلك يجب الفرز بانتباه بين ما يستحق الإهتمام وما لا يستحق حتى القاء نظرة.
يقول الغزالي : المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق ، قد لا تنكشف له الحقائق لكونه محجوبا بالتعصب والجمود على العقيدة.
اذن الجمود على العقيدة هي حالة من الشلل الدماغي حتى باقرار الغزالي ، ليت المتمسكين بتعاليمه يستوعبون ذلك . وكما قال علي بن أبي طالب: من جهل شيئا عاداه.
التناقض الأساسي هنا هو مع نسبية الحقيقة . والفكر الفلسفي الهيجلي يؤكد ان اللقاء بين علمين ، يولد علما جديدا. وبالتالي ازدياد المعرفة ، او كثرة الأعمال ، كما يقول الرازي: سبب لحصول الملكات . أي لا شيئ ينشأ من العدم. لا شيء ينشأ من الخمول والاستكانة . لا شيء ينشأ من التصورات الموروثة والأفكار النهائية. والجهل اذا التقى بالجهل لا يولد الا التعصب والانغلاق .
اقرأوا هذه الحكاية ، للدلالة على ان لا شيء ينشأ من العدم .. أو من العجز .. أو من الوهم …
رجل في التسعين من عمره دخل عيادة الطبيب سعيدا فرحا وتهالك على الكرسي الأول لاهثا متهدجا: أيها الطبيب ، زوجتي ابنة العشرين تنتظر مولودا .
قال الطبيب بعد ان تأمل العجوز ولهاثه : اسمع هذه القصة ، خرج صياد الى الصيد ، أخذ بالخطأ شمسيته بدل بندقيته. . وفي الغابة هاجمه فجأة دب ضخم ، صوب الشمسية نحو الدب وأطلق النار عليه وقتله.
قال العجوز : هذا مستحيل ، لا بد ان شخصا آخر أطلق النار وقتل الدب ؟
رد الطبيب : بالضبط شخص آخر فعلها .. هذا ما احاول ان أشرحه لك .
لو كانت الحقيقة مطلقة لقبل الطبيب رواية العجوز انه الذي أطلق النار فحملت زوجته العشرينية . لماذا فهم العجوز بسهولة أن شخصا آخر أطلق النار على الدب وقتله ، ويستعصي عليه الفهم ان شخصا آخر أطلق النار على زوجته العشرينية؟
هل نستطيع ان نقول انه توجد حقيقة مطلقة خارج وعي الانسان ؟ او يوجد موقف فكري مطلق صحيح في كل الظروف ؟ وانه يوجد انسان مطلق الفهم والرأي ، من طينة خاصة - كما وصف ستالين الشيوعيين في زمنه ، وظلت هذه الفكرة الستالينية الغبية والمدمرة سائدة حتى أيامنا الراهنة ، في أوساط غير شيوعية أيضا ؟.. و
رد عل طروحات يوسف فخر الدين في ” أجراس العودة ” ضد نبيل عودة
مهام المثقف السعي لكسر التصنيفات المقولبة والمختزلة
بقلم : نبيل عودة
اعاد موقع “أجراس العودة” هذا الاسبوع (أواخر ايلول 2008) نشرقديمه ، مقال لزميل ورفيق ، هو يوسف فخر الدين ، يحمل عنوان (الديمقراطيون الجدد، نبيل عودة منهم(1)(مساهمه في حوار يطلبه في مقالاته الزميل نبيل عودة بتّوق يشكر عليه ـــ نشر المقال أول مرة في 07 – 11 – 15 ) ، ينتقد يوسف موقفي من مفكر ليبرالي ( حسب تعبيره ) بوزن عزمي بشارة ، ويعتبر انتقادي للنظام السوري وحزب الله وايران والتيار الاسلامي سقوطا فكريا وسياسيا .
قرأت المقال في وقته ، ولم أشأ الرد عليه لأنه لم يتضمن ما يستحق الرد على المستوى الفكري أو التنظيري أو السياسي العام ، وكان أشبه بالمرادحة والتكرار ، وانتظرت الحلقة الثانية التي لم تظهر ، ربما لأن الزميل يوسف فخر الدين بالغ بتفريغ كل أفكاره في مقال واحد ، ولكن اعادة نشرالمقال القديم من جديد ، تشير الى اتجاهات عدة ، بعضها شخصي ، حيت يمتنع الموقع عن نشر مقالاتي منذ فترة طويلة ، لأسباب “عقائدية ” وآمل ان يسمح بنشر هذا المقال عملا بحرية الرأي والحوار . قد يكون السبب الأهم من اعادة النشر ، ما حذرت منه في مقال سابق يحمل عنوان ” ملك طائفة جديد قريبا في بيروت ” .. ويبدو ان مرحلة الدمج بين النظام السوري ، “القومي النموذجي” حسب فكر المفكر الليبرالي عزمي بشارة ، والأصولية الاسلامية ، ممثلة بحزب الله وحماس وايران ، وبتماثل بعض الأحزاب الشيوعية العربية مع فكرة قومية الأصولية الدينية ( اللبناني والاسرائيلي مثلا) ، أو صبغها بالصباغ القومي باعتبارها القوة العربية الوحيدة الفاعلة على الساحة الوطنية ونشاطها ، ضد اسرائيل بالأساس ، لا يمكن أن ينصب الا في خدمة المشاريع “القومية ” التي نسمع يوميا تفاصيلها وانفجاراتها “المجهولة ” وانجازاتها في حرب صامتة مريبة من التصفيات ..
يريحني ويطمئنني أن رؤيتي تختلف .. يوسف فخر الدين يتهمني ( مشكورا ) بأني من “الديمقراطيين الجدد” ( لا أعرف ما الفرق بين القدم والجدد ) ، ومع ذلك أعترف : أجل انا دمقراطي جديد وقديم حتى النخاع ، لا قيمة للحياة بلا ديمقراطية للفرد والمجتمع ، وتستطيع ان تتهمني بالتنويرية أيضا ، وبقبول الفكر الحداثي حول المجتمع والثقافة والسياسة … لأني أرى المضمون أولا .. والمضمون في واقعنا الفلسطيني والعربي يقلقني ويضيء أمامي الاف الأضوية الحمراء .. حقا انا لم أبق في اطار الفكر الماركسي التقليدي ( الشيوعي ) الذي أعتبره أهم مرحلة تنويرية في حياتي . ورأيت منذ فترة طويلة ان الجمود يقتل ثورية ماركس وتنويره وحداثته الفكرية وجذوره الفلسفية ، وان الوقوف عند نظريات ، مهما كان صاحبها عبقريا في مرحلته التاريخية ، ورفض أي نظرية أخرى تنقضها أو تطورها ، بل ورفض الاطلاع على ما ينجزه العقل البشري من تطوير فكري وفلسفي جديد ، والاستفاده منه ، حتى لو تضمن نقدا لمسلمات آمنا بها في شبابنا وبداية تشكل رؤانا ورؤيتنا الفلسفية ، هو آفة فكرية على ثقافتنا وفكرنا وتقدمنا الحضاري .
ان الظن أن ما ورثناه من ماركس ، أو من شيوخنا التبشيريين الأفاضل ، هي نهاية الفلسفة ، وقمة الفكر وخلاصة الأحلام ، وأضحت ، حسب ما لُقنا في أحزابنا أو حلقاتنا ، تفسر كل عملية التطور البشري والاجتماعي بوضوح كامل ، ومسارها التاريخي الى ما ستؤول اليه في النهاية ، واضح ومؤكد بشكل مطلق ، له بداية وله نهاية ، كما تحدد ذلك بنظرية التطور الاجتماعي التاريخي لماركس ، للعلمانيين وفي الفكر الديني ، لغير العلمانيين ، وكله يجي بقوة لا يتحكم فيها البشر… أي ان الماركسية الجديدة ، التي نشأ أيضا المفكر الليبرالي عزمي بشارة في أحضانها، أضحت أيديولوجيا ، بفضل الجمود الفكري للمنظومة الشيوعية العالمية ، تنتج مجتمعات مغلقة ، وعقائد مغلقة ، دينية ايمانية أو علمانية الحادية ، لا فرق ، تخضع الانسان الفرد لقوالب ضيقة ، فكريا وتنظيريا وسياسيا ، وتعرقل تطوره ، بل وتمنعه من الاختلاف والتجديد والابداع بالعنف والاستبداد والسحل .. لأنها أضحت تشعر ، وتستوعب الخطر على دورها وامتيازاتها ومصيرها ، وقد يكون التحالف الشيوعي الأصولي المستهجن ، أو الوطني الأصولي ، الذي يروج له “المفكر الليبرالي المتنور”عزمي بشارة ، هو الحل لانقاذ الذات والامتيازات والمصالح المتنوعة ، الشخصية ، في حالة الفرد ، او الجماعية في حالة حزب أو دولة.
حتى أفلاطون في جمهوريته رفض نظرية التطور الاجتماعي التاريخي ، ويبدو انه كان أوسع رؤية من الكثيرين من فلاسفة القرن التاسع عشر ، ومن فلاسفة ماركسيين معاصرين يحاولون أن يرتقوا ثقوب الأوزون في الفلسفة الماركسية.. بدل ان ينطلقوا من مضمون الماركسية لرؤية علمية عقلانية ودمقراطية تنويرية وسياسية جديدة ..
هذا لا ينفي أهمية الماركسية وطروحاتها ، وأن الماركسية ليست دينا مغلقا . بل منهاج عمل وتفكير ، سلبوا منها أهم مميزاتها ، ضرورة استمرار تطوير نظرياتها بناء على القاعدة الفكرية التي طرحها ماركس نفسه .. بصفة نظريته منهاج عمل وتفكير وابداع فكري ونضالي .. والسؤال : ماذا قدم الليبرالي المتنور عزمي بشارة من فكر جديد للثقافة العربية وللفكر الاجتماعي العربي ؟
كتب مرة مقالا فاجأني ، انتقد الأنظمة العربية التي تفتقد لمؤسسات الحكم المستقلة ، ووصفها بالأنظمة الشرشوحة . كان صادقا . ولكنه صمت بعدها وانخرس .. ربما كانت بيضة الديك .. لماذا لم نسمع صوته ضد قمع النظام البعثي للمثقفين السوريين ؟ بدل ذلك نسمع دفاعا مستميتا .. وتبريرا لتصرفات النظام ضد المثقفين القابعين في السجون بدون محاكمة أو بمحاكم صورية ، وكذلك تبريرا فظا للسياسة السورية في لبنان .. بل وتبريرا لتصرفات حماس في غزة ..
انت تقول في مقالك النقدي لمنهجي الفكري الدمقراطي الجديد ، حسب تعبيرك … انه : ” لا غضاضة بالتفكير بالأصولية من موقع مختلف ليس فقط باعتبارها قوى مقاومة وممانعة ، بل ومنتمين محتملين لمنهج الدمقراطية”. أضحكتني وأبكيتني . شاهدنا دمق
|
الحاجـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ز ..! نبيـــل عـــودة |
|
تعكّر الجو منذ بداية هذا اليوم، عندما كان أحمد في طريقه الى عيادته، اعتراه شعور من القنوط والتهيّب الذي لم يعرف له سبباً. حاول ان يعود بذاكرته الى اللحظة التي فتح فيها عينيه هذا الصباح… علّه يجد جواباً لما يعتريه الآن وهو يقود سيارتة.. ساعة استيقاظه هي نفس ساعة الاستيقاظ المعتادة منذ فتح عيادته… حتى ايام الراحة يستيقظ تقريباً في نفس الوقت، مع فارق بسيط انه يتأخر في خلع البيجاما.. الا اذا طُلب لعيادة مريض ما.. ولكن منظر الشوارع المألوفة والمعروفة له منذ نعومة أظفاره يجعله قانطاً ومتهيباً من شيء مجهول. اغتسل وارتدى ملابسه.. زوجته واصلت النوم كعادتها.. سخَّن الماء، أعدَّ كوب شاي بالنعنع، ارتشفه ببطء وهو يسمع نشرة الأخبار، رطَّب وجنتيه وعنقه ببعض الكولونيا.. شدَّ ربطة عنقه، تناول حقيبته وخرج وزوجته لا تزال تغطُّ بالنوم، تفاصيل روتينية يكرِّرها كل يوم.. اذن ما الباعث لشعور القنوط والتهيب؟! شغَّل محرك السيارة لعدة دقائق.. ثم انطلق في الاتجاه المعتاد الذي الفته عيناه. الأحداث في القطاع انفجَّرت من جديد. عدد مجهول من القتلى وعشرات الجرحى. هذا ما فهمه أحمد من المكالمة التلفونية، حيث طلبوه في المستشفى للمساعدة. هذا الطلب بحدِّ ذاته يشير الى العدد الكبير من الإصابات الصعبة. بعد ذلك فهم الحادث بالتفصيل.. \"بداية\" الحادث ان دورية عسكرية اعترضت مجموعة من التلاميذ المتوجهين للمدرسة، وأمروهم بالتفرق وعدم السير الجماعي نحو المدرسة.. ويبدو ان التلاميذ لم يبلعوا الاستفزاز هذه المرة. فالتراكم يولد الانفجار، هذا مفهوم، أحمد نفسه كاد ينفجر مرات أمام الحواجز… ولكنه يبلعها في اللحظة الأخيرة، المؤكد ان التلاميذ لا يملكون ضوابط كالكبار. والمؤكد أيضا ان الانفجار سببه ليس الاستفزاز الوقح الجديد… انما هي سلسلة متواصلة من الإهانات اليومية المتكررة.. ان تعيش تحت طقطقة الأعقاب الوحشية، ان تعيش طفولتك وشبابك أمام حواجز الجند ونظراتهم الحاقدة.. ان تعيش كل يوم في انتظار الفرج الذي لا يبدو انه قريب.. ان تعيش حالماً بالفرح الانساني، بينما واقعك مليء بالترقّب لرصاصة من فوهة بندقية يحملها جندي ما، كل ذلك يتجمع لينفجر في لحظة ما بعنفوان لا ضابط له. ربما قاعدة الحياة صارت تختلف. ساعات الهدوء في القطاع والضفة هو الشذوذ. بينما الانفجار يكاد يتحول الى قاعدة. هذه الافكار راودت أحمد خلال توجهة السريع الى المستشفى. كانت تتنازعه شتى المشاعر والاحاسيس، ويحاول ان يضعها في إطار منطقي. كثير من المسائل لا يستطيع قبولها اي منطق. مثلاً، مسألة القتل اليومي.. القتل بمفهومه المباشر.. ان يطلق جندي ما رصاصة فيسقط فلسطيني. او القتل بمفهومه الانساني، باستمرار الوضع القائم.. الحياة تحت أعقاب البنادق وتحت أحذية الجنود، ومواجهة عملية الإذلال والبطش اليومي؟! القتل بمعناه المباشر قد يبدو أكثر انسانية من مواصلة الحياة تحت حراب الجند وأحذيتهم.. القتل يعني نهاية المعاناة. هل تكون عملية تخليص شعب من معاناته، بقتله، بتصفيته جسدياً؟! قد تبدو هذه الفكرة إنسانية في هذا الزمن الرديء.. \"ام الزمن العربي لوحده الرديء في هذا العصر؟!\" سأل نفسه واستطرد مفكراً: -الدول العربية لا تحرك ساكنا لفضح الواقع المأساوي لشعب صار القتل حادثاً يومياً في حياته.. حتى رد فعل بسيط معدوم، مع انهم يدّعون ان فلسطين قضيتهم الاولى؟! شيء يثور في أعماقه، يتمرد، يتضخم ويكاد ينفجر. صراخ غاضب يشعر به محبوساً في صدره، يهزه من الداخل فيضغط على نفسه ويضغط. وتشده أفكاره مرة اخرى: - يجب ألا نسمح بتحويل قتْلنا الى عادة.. الى روتين يومي. الدول العربية.. لتذهب الى الجحيم.. انها لا تفعل سوى ان تهتم بدعم مجموعة من زلْمها.. ان تكون من جماعة دولة ما لذلك ثمن تقبضه، حتى الدين صار له ثمن. ان تطلق لحيتك، وتتبع فئة معينة، لذلك اجرة معينة، ليس عند ربك، بل فئة لها مصلحة في ابتعادك عن مشاكل مجتمعك. صرنا نعيش في جحيم التفاهات، وهي للحقيقة تتلاءم مع زمن تسيطر عليه قيم وأخلاق التفكير الاقطاعي، ومثل ورموز عصر النفط، الا الفلسطيني… لا ثمن له. الانسان لا ثمن له!! هل يفقد ثقته؟! كان منطلقاً بسيارته نحو المستشفى يعبر الشوارع شبه الفارغة الا من بقايا الحجارة المقذوفة… وهنا وهناك لا تزال المناوشات مشتعلة. ودوريات تزعق في شتى الاتجاهات.. والرصاص يعوي كما كلب.. تارة يشتد عواؤه وتارة يخفت.. والدخان يتعالى من عدة نقاط في المدينة المتمردة… ربما هذا التمرد هو ما يعطي لهذا الشعب هذه القدرة على الاستمرار وتحدي المعاناة.. المعاناة قد تكون سببا للقنوط، الواقع المأساوي قد يكون سبباً للقنوط، انتظار ما هو أسوأ هو سبب أكيد للقنوط.. ومن المؤكد ان الانفجار يحمل في طيّاته الرفض للتفاهات التي نمارسها دون اقتناع… نمارسها لاجل الثمن المدفوع. يثلج الصدر ويخفف الواقع الاجتماعي ان الأجيال الجديدة تواصل التحدي، رغم الليل الذي يحيكه مِن حولهم بعض ذوي القربى والأعداء، رغم تباين المواقع، يواصلون التحدي في الشوارع، رغم الجند المدجَّجين بالسلاح.. يواصلون التحدي في الشوارع.. ويرفضون الصَّمت على مضاضة. يؤلمهم الصمت الرسمي للأشقاء العرب.. ولا ينتظرون حسنة من أحد. يدفعون دمهم ثمناً لصمودهم. استمرار الهيجان يخفف من عبء القنوط.. يتخيل الجثث الشابة المقتولة.. والأجساد المشوهة.. فيزداد أحمد قنوطاً وألماً داخلياً. أمام الحاجز لم تنفع إشارة الطبيب الملصقة على السيارة… أنزلوه وأجروا عليه تفتيشاً وفحصاً لأوراقه وسيارته، بحثوا عن أسلحة يحملها، ربما حجارة.. فتحوا حقيبته الطبية وأفرغوا محتوياتها على مقعد سيارته.. وجسّوها بتأنٍّ خوفاً من إخفاء حجرٍ او ربما تعويذةٍ مضادة للاحتلال. أصوات طلقات غزيرة.. وبعض الحجارة تكاد تصل للحاجز من الشوارع المحاذية.. ومع زخات الحجارة يرعد اسم فلسطين بآلاف الحناجر.. مئات البالونات لوَّنت بأعلام فلسطين طُيِّرتْ في الفضاء.. أثارت عصبية الجنود فأمطروها بعشرات الطلقات.. ولكن السماء تمتلئ بأعداد متزايدة من البالونات الملونة بلون العلم الفلسطيني..لاول مرة منذ هذا الصباح يتحرّر من قنوطه. كم يودُّ ان يقذف حجراً، ان يركض مع آلاف الشباب.. وان يجهده العرق.. وان يطيِّر بالوناً ملوناً بالعلم الفلسطيني، وان يصرخ بأعلى صوته باسم فلسطين. يتلذَّذ وهو يسمع الصدى الرهيب لتساقط الحجارة وأصوات الطلقات وصرخات الجنود المتفاجئين من هذا المطر المؤذي… ينظر نحو الضابط ذو الأصابع المنتفخة.. الذي يلوك سيجارته بحقد، ونظراته تحمل الكراهية خلقة… ويتهادى في مشيته كأبطال الكاوبوي الأمريكيين… ويكزّ على أسنانه مع كل زخَّة فلسطين يطلقها الشباب مع رشقات الحجارة. |









